الشيخ عبد الغني النابلسي
68
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
على حسب الأحوال التي تعتريه بمقتضى العين الأصلية وبه ، أي بسبب سر القدر وصف اللّه تعالى نفسه في كلامه القديم على لسان نبيه عليه السلام بالغضب على أقوام بسبب أفعال صدرت منهم وأحوالهم التي هم عليها وبالرضى أيضا عن أقوام كذلك فكان ذلك بمقتضى ما عليه تلك الأقوام في أعيانهم العدمية من أحوال تلك الأعيان في الدنيا من المخالفات وفي الآخرة من المجازات بالثواب والعقاب وبه ، أي بسر القدر تقابلت الأسماء الإلهية بأسماء الجلال وأسماء الجمال لتقابل أحوال الأعيان العدمية بما يقتضي ظهور الجلال لها من الحق تعالى ، أو ظهور الجمال منه سبحانه لها ، بل تعينت به جميع الأسماء الإلهية من الذات العلية ، وبه تسمى سبحانه وبه نعت وبه عرف وبه جهل . فحقيقته ، أي سر القدر تحكم باعتبار أحوال الأعيان الثابتة في العدم عند تلك الأعيان في الوجود المطلق وهو الحق تعالى ، فتسميه بالأسماء وتنعته بالنعوت ، وتقابل بين حضراته وتنوّع أنواع تجلياته ، لا بالنسبة إلى ذلك الموجود المطلق في نفسه ، فإنه غني عن العالمين بحكم قوله سبحانه : فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ آل عمران : 97 ] ، أي بذاته من حيث هي ، وأما باعتبار المراتب ، فإنها ما تنوّعت وكثرت إلا باختلاف العالمين ، ولولا المراتب لم يكن البحث عن الذات الإلهية مفيدا ، فإنه لا يتصوّر أن يعلم أحد من هذا الوجه ولا يجهل أيضا وحقيقة سر القدر تحكم أيضا في الموجود المقيد وهو هذا العالم الحادث ، فكيف ما كان يظهر هذا الممكن على مقتضاه ولا يمكن أن يكون شيء أتم ، أي أكمل منها ، أي من حقيقة سر القدر أصلا ولا أقوى في التحكم ولا أعظم في الشأن لعموم حكمها ، أي حكم حقيقة سر القدر المتعدي من تلك الأعيان العدمية إلى عين الوجود المطلق في تعين صفاته وأسمائه من ذاته العلية الغنية عما سواها عندها وغير المتعدي بل قاصر على تلك الأعيان في حال ظهورها . ولما كانت الأنبياء صلوات اللّه عليهم لا تأخذ علومها الإلهية إلا من الوحي الخاص بجبريل عليه السلام وهو النبوي الإلهي احتراز عن وحي الإلهام فإنه عام في غير الأنبياء كوحي النحل والأرض فقلوبهم ، أي الأنبياء عليهم السلام ساذجة ، أي بسيطة غير مركبة خالية من النظر العقلي فلا يستعملون عقولهم في العلوم الإلهية أصلا لعلمهم ، أي الأنبياء عليهم السلام قطعا بقصور العقل من حيث نظره الفكري لا الكشفي عن إدراك الأمور الغيبية الإلهية على ما هي عليه إلا إذا رفع له حجاب الغيب عنها فإنه يدركها حينئذ بقوّة شهوده وحسه . والأخبار أيضا من الغير له يقصر عن إدراك ما لا ينال إلا بالذوق من